المقريزي

246

إمتاع الأسماع

وقد يحتج لذلك بقوله تعالى : ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) ( 1 ) ، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه ، وإنما أريد به أصل الإحسان لا قدره . ومنه قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) ( 2 ) ، وهذا التشبيه إنما هو في أصل الوحي لا في قدره وفضيلته والموحي به ، وقوله تعالى : ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) ( 3 ) ، إنما مرادهم جنس الآية لا نظير ها . وقوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) ( 4 ) ، ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة ، وإنما لهذه الأمة أكمل ما لغيرها . وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ( 5 ) ، والتشبيه إنما هو في أصل الصوم لا في عينه وقدره وكيفيته . وقال تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) ( 6 ) ، ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى وهي المبتدأ ، وبين الثانية وهي المعاد . وقال تعالى : ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) ( 7 ) ، ومعلوم أن الشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولية . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقناكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا " ، فالتشبيه هنا في أصل الرزق لا في قدره ، ولا في كيفيته ، ونظائر ذلك [ كثير ] .

--> ( 1 ) القصص : 77 . ( 2 ) النساء : 163 . ( 3 ) الأنبياء : 5 . ( 4 ) النور : 55 . ( 5 ) البقرة : 183 . ( 6 ) الأعراف : 29 . ( 7 ) المزمل : 16 .